السيد عباس علي الموسوي
214
شرح نهج البلاغة
خلقة السماء والكون وكذلك السّماء والهواء ، والرّياح والماء . فانظر إلى الشّمس والقمر ، والنّبات والشّجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا اللّيل والنّهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال وتفرّق هذه اللّغات ، والألسن المختلفات . فالويل لمن أنكر المقدّر ، وجحد المدبر زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ، ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا ، وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . خلقة الجرادة وإنّ شئت قلت في الجرادة ، إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السّمع الخفيّ ، وفتح لها الفم السّويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض . يرهبها الزّرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ، ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها . وخلقها كلهّ لا يكوّن إصبعا مستدقّة . فتبارك اللّه الّذي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، ويعفّر له خدّا ووجها ، ويلقي إليه بالطّاعة سلما وضعفا ، ويعطي له القياد رهبة وخوفا فالطّير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّيش منها والنّفس ، وأرسى قوائمها على النّدى واليبس ، وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها . فهذا غراب وهذا عقاب .